مصطفى صادق الرافعي

99

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

من قليل ما استطفّ « 1 » لنا من أسراره العجيبة ، وإن قليلها لكثير على الإنسان بالغة ما بلغت قوّته . ولسنا ندعي أننا أشرفنا على الأمد وأوفينا على معجزة الأبد ، فإن هذا أمر ضيّق كثير الالتواء لمن تلمّس جوانبه ، واقتحم مصاعبه ، وما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه ، وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة ، وتعاوروه من كل ناحية ، ولقوا جوانبه بحثا وتفتيشا . ثم هو بعد لا يزال عندهم على ذلك خلقا جديدا ، ومراما بعيدا ، وصعبا شديدا ، وإنما بلغوا منه إذ بلغوا منه نزرا تهيأت لضعفه أسبابه ، وقليلا عرف لقتله حسابه ، وبقي ما وراء ذلك من الأمر المتعذّر الذي وقفت عنده الأعذار ؛ والابتغاء المعجز الذي انحط عنده قدر الإنسان لأنه مما سمحت به الأقدار . الأقوال في الإعجاز واعلم أننا لسنا نلتمس بما نتأتى إليه من هذا الفصل ، ونستأتي به تعب الكتابة في سرده ، ونصبنا له من استقراء مذاهب القوم وآرائهم - أن نقيم من ذلك برهانا صحيحا ، أو نقدم رأيا صريحا ، فإن هذا بعض ما لا يطمع فيه ولا يرد التعب منه شيئا على المباحث يكون فيه مطمع فلقد أبعد القوم في المقايسة وأمعنوا في المذاكرة ، وأطالوا في الخصومة ، وفخموا ما شاءوا ، ومضغوا من الكلام ما ملأ أفواههم ، وجاءوا بما هو لعمري فلسفة ومنطق ؛ بيد أنهم في كل ذلك إنما توافوا على صنيع واحد من الردّ بعضهم على بعض فمن فلج بحجته فقطع خصمه عن المعارضة ، وأفحمه دون المناضلة كان الرأي في الإعجاز ما رآه هو ، وكان أكبر البرهان على صوابه عجز خصمه عن تخطئته . . . وهذه سبيل من الكلام لا يزال أذاها حاضرا ، وسالكها حائرا ، فإنه ما يندفع إليها رأيان متناقضان إلا كان أقواهما معتبرا صوابا بحتا ، لا بقوّته ولكن بضعف الآخر ، وإن كان هو في نفسه خطأ صراحا وفسادا صرفا أو جهلا وإحالة . وقد مضى أكثر المتكلمين من رؤوس الفرق الإسلامية على أن لا يبالوا أن يضربوا بآرائهم صفحا ، ولهم في ذلك صلابة يوهمون أنها صلابة أهل الحق وعناد يلتبس باليقين على العامة وأشباه العامة من أتباعهم فلا تنفعهم نافعة حتى يأخذوا بآرائهم وينتحلوها ، ثم لا تكون لهم الخيرة من أمرهم بعد ذلك فيما يأخذون وما يدعون .

--> ( 1 ) طف واستطف بمعنى : أمكن .